شعلة يوكسال التركية وبنت الهدى العراقية … سيرة ملهمة لنساء عظيمات

الدكتور ضرغام الأجودي

في العقود الماضية كانت المرأة المسلمة تواجه هجوماً سافراً على حريتها وهويتها ودورها ومكانتها في المجتمع، تشنه الحكومات القمعية المستبدة في العديد من البلدان الإسلامية بدعوى العلمانية التي ظلمت المرأة وسلبتها حقوقها حتى في اختيار ملابسها والزي الذي ترتديه، فكانت تتعرض للسجن والمنع من العمل والدراسة بالحجاب، بل وصل الأمر الى منع ارتداء الحجاب في الشارع.
في ظل هذه الأجواء المسمومة ظهرت امرأتان من بلدين مختلفين، لكنهما التقتا في الإيمان بأن المرأة ليست مجرد متلقية للأفكار، بل قادرة على أن تكون صانعة للوعي ومشروعاً للإصلاح: التركية شُعلة يوكسال شنلر، والعراقية بنت الهدى آمنة الصدر.
لم تجمعهما الجنسية ولا البيئة ولا المدرسة الفكرية ذاتها، لكن جمعتهما إرادة واحدة: أن يتحول الإيمان الى عمل، والقلم الى رسالة، والمرأة الى قوة واعية تسهم في بناء المجتمع.

شعلة… من الخياطة إلى صناعة الأثر
ولدت شُعلة يوكسال شنلر عام 1938 في تركيا، وعاشت طفولة وظروفاً صعبة اضطرتها لترك الدراسة في سن مبكرة، فعملت في الخياطة، لكن حرمانها من التعليم الرسمي فلم يكن نهاية طريقها؛ فقد بدأت تثقف نفسها وتكتب في سن مبكرة، ثم أصبحت صحفية وكاتبة ومحاضرة ذات حضور واسع.
وفي ستينيات القرن العشرين شهدت تحولاً فكرياً ودينياً عميقاً، وكرست جانباً كبيراً من حياتها للتعريف بتعاليم الإسلام، والدفاع عن الحجاب، والحديث عن مكانة المرأة والأسرة والقيم الأخلاقية.
لكن المميز في قصتها أنها لم تتخل عن مهارتها القديمة في الخياطة عندما تغير مسار حياتها؛ بل حولتها إلى وسيلة تخدم رسالتها. فقد عملت على تقديم نموذج للملابس المحتشمة يجمع بين الحجاب والأناقة وروح العصر، وانتشر الأسلوب الذي ارتبط باسمها «Şulebaş» بين شابات تركيا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
فلم تعد الخياطة بالنسبة إليها مجرد مهنة، بل أصبحت لغة تقول من خلالها للمرأة المسلمة: يمكنك أن تتمسكي بهويتك وعقيدتك وتكوني حاضرة في عصرِك في الوقت نفسه.
ثم جاء قلمها ليكمل ما بدأته يداها. فكتبت المقالات والكتب والروايات، واشتهرت جداً بروايتها (شارع السكينة)، كما جابت مدناً تركية عديدة محاضرةً ومخاطبة النساء والشباب، حتى أصبحت واحدة من أبرز الأصوات النسائية المحافظة في تركيا الحديثة.
وقد دفعت ثمناً لمواقفها؛ إذ تعرضت للملاحقة والمحاكمة والسجن في السبعينيات، لكنها واصلت نشاطها الفكري والثقافي.

بنت الهدى … حين يصبح القلم مدرسة
وفي العراق، كانت بنت الهدى آمنة الصدر تسلك طريقاً آخر، لكنه يلتقي مع طريق شُعلة في جوهره.
فقد عانت من اليتم والفقر المدقع ولم تدخل المدرسة لكنها تجاوزت ذلك فلم تكن بنت الهدى مجرد أديبة؛ كانت تربوية ومفكرة وناشطة اجتماعية، أدركت مبكراً أن بناء المجتمع يبدأ من بناء الإنسان، وأن بناء الإنسان يبدأ من الوعي والعلم والتربية.
فألفت عشرات القصص والروايات التي كانت تنشرها في على شكل حلقات في الصحف باسم مستعار في الستينات والسبعينات من القرن الماضي.
وجهت جانباً كبيراً من اهتمامها إلى الفتيات والنساء، واستخدمت القصة والمقالة والخطاب الديني وسيلة للوصول إلى المرأة بلغة قريبة من حياتها وأسئلتها. وأسهمت في النشاط التعليمي والاجتماعي للنساء، فأسست المدارس النسوية في عدة محافظات عراقية وسعت إلى تقديم صورة للمرأة المسلمة الواعية التي تجمع بين الإيمان والعلم والمسؤولية الاجتماعية.
وهنا يبرز وجه آخر من التشابه بينها وبين شُعلة: كلتاهما رفضتا أن يكون الإسلام فكرة معزولة عن الحياة اليومية.
شُعلة حملت رسالتها إلى الشارع والجامعة والمرأة العاملة من خلال الصحافة والمحاضرات والملابس المحتشمة؛ وبنت الهدى حملتها إلى المدرسة والبيت والكتاب والمجتمع من خلال التعليم والأدب والعمل الاجتماعي.
لم تكن كل واحدة منهما نسخة عن الأخرى.
كانت شُعلة ابنة البيئة التركية العلمانية والصراع الثقافي حول الدين والهوية والحجاب، وكان سلاحها الأبرز الصحافة والرواية والمحاضرة والعمل الثقافي.
أما بنت الهدى فكانت ابنة العراق، وعاشت في بيئة سياسية أكثر ظلما وإجراما، واتخذ نشاطها بعداً تربوياً واجتماعياً وسياسياً أكثر وضوحاً، حتى انتهت حياتها شهيدة عام 1980 إلى على يد زمرة البعث المجرمة.
لكن جوهر التجربتين يلتقي في فكرة واحدة شديدة الأهمية: إن المرأة تستطيع أن تجعل من أدواتها اليومية أدواتٍ للتغيير.

رسالة الى فتيات اليوم
في سيرة هاتين العظيمتين أن العظمة لا تبدأ دائماً من جامعة كبيرة، أو وظيفة مرموقة، أو ظروف مثالية.
شُعلة بدأت من الخياطة والقلم، وبنت الهدى من الكتاب والتعليم؛ ثم تحولت الأدوات البسيطة إلى وسائل لصناعة أثر تجاوز حدود حياتهما.
لم تنتظر شُعلة أن تصبح مثقفة مشهورة لكي تبدأ، ولم تنتظر بنت الهدى أن تتوافر لها كل الإمكانات لكي تخاطب المرأة والمجتمع.
بدأت كل واحدة منهما مما تملك، وآمنت بما تفعل، ثم واصلت الطريق رغم الصعوبات.
ولذلك فإن سيرتهما لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها حكاية امرأتين من الماضي فحسب، بل باعتبارها رسالة إلى كل فتاة اليوم
فقد رحلت شُعلة يوكسال شنلر عام 2019، ورحلت بنت الهدى قبلها بأربعة عقود تقريباً، لكنهما تركتا ما هو أبقى من العمر: فكرة وكلمة، ونموذجاً لامرأة آمنت بأن صلاح المجتمع يبدأ من وعي الإنسان، وأن المرأة الواعية تستطيع أن تكون شريكة حقيقية في صناعة التاريخ.

زر الذهاب إلى الأعلى